أرشيف حسن موسى

محمد بشارة

بشارة - آرت إز ويرك

عبارة مولانا «ميلتون قليزر» Milton Glaser التي تعرّف الفن بـ«العمل»، في معني الممارسة العملية مدخل مناسب لمقاربة «عمل» الصديق الفنان محمد عمر بشارة. فبشارة ينتمي لجنس الفنانين «الفـَعـَلـَة» الذين لا يستقيم أمر الفن عندهم إلا في سياق العمل. وهو قمين بالإنكباب على منمنمة صغيرة لساعات طوال فيرسم وينقش ويلون ويحفر ويطرس ويطوي ويفرد ويخدش ويثقب ويمزق ويلصق وينزع إلخ.. وكل هذا «العمل» يكسب تصاويره تلك الطبيعة الغريبة التي جعلت الناقد «توم فريشوتر» يخلص إلى أن «عمله يتعلّق بالسياق المفهومي للممارسة بقدر ما يتعلق بالتاريخ الحرفي لها» «His work is about process as much as product»

ولكني، كلما تأملت في أعمال بشارة - على تواتر الأزمنة والأمكنة - كلما ازددت قناعة بسعيه الواعي لترجيح كفة التخليق المادي للعمل (البروسيس) على كفة الأثر الناتج (البرودكت). هذا الحدب الذي يصعّد «الصناعة» ، ولو شئت قلت: «التقنية»،لما فوق مقام الحاصل النهائي ، «الأثر»، ولو شئت قلت «التحفة»، هو القاسم المشترك الأعظم بين كل أعمال بشارة، وتستوي في ذلك تلك الرسومات الصغيرة المنفذة بثفل القهوة وقلم الحبر الجاف على ورق رخيص، أيام كان بشارة يعمل في «مصلحة الثقافة» في مطلع السبعينات، أو تلك المحكوكات والمحروقات التي أذكر أن مجلة «آفريكان آرت» الأمريكية نشرتها له في السبعينات. (رسومات على «سكريبر بورد» يمتزج فيها الحك بالحريق وشيئ من الحبر)، لمحفورات الزنك والنحاس وبعض أعماله الزيتية لغاية أعماله المتأخرة التي يمزج فيها بين الحفر والكولاج والرسم.

وقد لاحظ الناقد «ديفيد ليلينغتون» أن: «بشارة يستخدم تقنيات غير مألوفة حتى أن المشاهد يعجز عن معرفة الطريقة التي أنجز بها قطعه» وملاحظة «ليلينغتون» تكشف، بطريقة غير مباشرة، عن مشروع بشارة الجمالي كبحث مركـّب في إحتمالات الخامة والأداة. بحث يتجاوز عادات التعبير التمثيلي الدارجة ليستكشف ذلك المقام الفالت من طائلة البلاغة الكلامية: مقام الخامات التي تنطق عن خصائصها المادية الملموسة كمداخل جمالية لإدراك العالم في غير الأبعاد الموسومة نهائياً بميسم التقليد الأدبي. 

وعمل بشارة في هذا المشهد إنما ينطرح كدعوة لدخول أرض الممارسة التشكيلية المبرأة من شبهات الدين، (وما الدين إلا وجه من وجوه الأدب) وهذا مدخل صعب لا يطيقه مشاهد يلبّك بصيرته بعادات المشاهدة الأدبية. وفي هذا الأفق، أفق العلاقة مع الأثر التشكيلي في بعده المادي كخطاب يتوسل بوسائل الخامات والأدوات يحق لبشارة أن يقول: 

«أعمل من لا مكان، بدون فكرة مسبقة».. «أباشر سطح المسند فيفقد الأبيض حياده. ينشأ حوار بيني والمسند وتتخلق الأفكار. وبقدر ما أتقدم في العمل يتقدم التكوين وتظهر أشياء وأتملّك مصير العمل. الصور تداعيات وأوهام حرة ومقيدة في آن»

الكلام عن عمل من عيار عمل بشارة بوسيلة الكلمات أمر بالغ الصعوبة، ربما لأن معظم الكلمات المتاحة بين يدي المتأملين في التصاوير المعاصرة إنما سكّتها أقلام كتاب خرجوا من مقام علاقة دينية «بائدة» مع الأثر التشكيلي. وربما كنا بحاجة لإختراع مفردات جديدة وتخليق خطاب نقدي من جنس الطبيعة الجمالية التي يستهدفها أثر بشارة. وهذه فولة تفيض عن سعة مكيالنا الراهن المستعجل، فكل غاية هذه الكليمة هي الإعلان عن معرض جديد في «متحف أوكسفورد» يشارك فيه محمد عمر بشارة مع فنانين آخرين هما: Madi Asharya-Baskerville & Helen Ganly أنظر ملصق المعرض.

بشارة «الورّاق»..

عبد الماجد

يا أخانا الذي في الأسافير

سلام جاك وشكراً على قراءتيك الرشيدتين. وياحبذا قراءة ثالثة تفتح أبواب الريح على مصاريعها فننتفع جميعاً ونستريح وهيهات. أقول: «وهيهات» لأن الحديث في هذا الشأن، شأن التداخل والتناقض بين لغة الخامة وخامة اللغة، يظل ملغوماً بشجون شتى: تقنية وجمالية وسياسية. وبين «جمالية» و «سياسية»يجوز لك أن تحشر «دينية» (والراحة مافيش على كل حال).

المهم يا زول، أعدت قراءة تفاكيرك مرات ومرات، وحفزتني القراءة على العودة لهذا الأمر (قبل أن اتمكن من الحصول على مستنسخات إضافية من أعمال بشارة يمكن لها أن تساعدنا في تقعيد المفاهيم على متن الأثر المبذول للنظر). وغاية كليمتي هذي لا تتعدى استيضاح بعض النقاط فيما انبهم عندي من مسارب مداخلتك وتوضيح ما قد يكون قد غمض على القراء في تعليقي القصير المستعجل. وهذا باب في «قد عين الشيطان».

تقول:

«..ولكني أرى أن بشارة، في كثير من أعماله، يكون في ذهنه صورة معينة يريد أن يرغم الخامة على توصيلها. ولا ندري قدر ما يتحقق له في المحصلة لأن ذلك ف ي ذهنه هو وحده..» 

وفي هذه العبارة غموض لأن ما «في ذهنه هو وحده» هو المشروع/ الحلم، وذلك بكل ما ينطوي عليه «المشروع» من أطراف ذاتية وموضوعية، أما «ما يتحقق له في المحصلة» فهو بالضبط ذلك الطرف الظاهر الذي يبذله الفنان للعيان في ماعون المسند المادي.

وفي بقية عبارتك استرعى إهتمامي قولك: 

« إلا أنه بمجرد اتخاذ القرار بعرض ذلك العمل « ..» لا بد و أن يكون قد حقق شيئاً من القبول «..» وهذا لا يمكننا من التأكد من أنه كسّر حواجز الخامة بالكامل». و «استنزفها تماماً».

وفكرة تكسير حواجز الخامة بالكامل واستنزافها تماماً، مما طالبت به الفنان المنخرط في عراك الخامة، تتعارض مع الفكرة المضمنة في استدراكك، المقيم بين الأقواس، الذي تقول فيه بأن: (« إستنزاف ما بداخل الخامة عندي (أي خامة) هو ضرب من جنس «رابع المستحيلات»).. ليست مجرد وسيلة لتوصيل الصورة الأدبية المتخلقة بين نزوات الخاطر وإنما هي أيضاً والخامة عند بشارة ـ وعندي ـ (لو جاز لي أن أقحم نفسي في ثلة التشكيليين الـ«خاماتيين») صورة ذات سيادة قائمة بجاه منطقها الخاص الموازي أو/ والمتقاطع مع منطق الصورة الأدبية في أكثر من مستوى. والخامة كصورة هي موضوع بحث مركزي عند كثير من التشكيليين المحدثين والقدامى سواء وعوا ذلك أم لم يعوه، وبشارة واع بمبحث الخامة/ الصورة كهاجس كفاح جمالي استنزافي مفتوح على الإطلاق. 

طبعاً هذا الكلام لا يعني أن بشارة يستغني بصفاء مبحث الخامة عن مباحث التشكيل الأدبي التي تقرأ في مشهد «الدين»، فالدين ورانا والدين أمامنا ولات مناص، يعني «سيك سيك معلق فيك». لكن أهلنا المسلمين قالوا: «الشريعة عليها بالظاهر» (واللي في القلب في القلب)، وهي قولة جبارة تنطوي على باب بحاله في جمالية الحداثة التشكيلية كأمر ظاهراتي (فينومينولوجي). والظاهر الذي تعنى به الشريعة عند المسلمين هو، في تحليل ما، درع مفهومي يحمي المسلمين البراغماتيين من وطأة الشطح الأدبي الذي يبيح لكل شيخ الحق في إفتراع طريقه الديني الخاص، «طريقته»، ولو شئت قل: «رسالته». وحتى لا نتباعد عن الإشكالية الجمالية التي يطرحها عمل بشارة، فمن الأسلم مقاربته برؤية «ظاهراتية وجودية» إبتداءاً من ما هو ماثل لبصر البصيرة حتى تتسنـّى لنا عقلنته كإسهام نافع في مقام إقتصاد الرموز المتداولة بين الرسام والجمهور. 

ومن «ظاهر الشريعة» تبدو تصاوير بشارة كخطاب في تدابير الورق والحبر. وأنا أقدم الورق على الحبر لأن بعض أعمال بشارة تعتمد على الورق أكثر من إعتمادها على الحبر، مادة الرسم. ذلك أن بشارة يمثل هنا - في سلسلة أعماله الورقية - كتشكيلي ورّاق يملك أن يستغني بالورق عن ريشة الرسام التي تنزف حبرها من أجل رسم الحدود بين عناصر التكوين القرافيكي. فهو يقوم بتمزيق الورق، ورق المطبوعات المختلفة المتنوعة التي يلتقطها من هنا وهناك. لكن طريقة بشارة في تمزيق الورق لا تتم كيفما إتفق، وهو في تحليل ما، لا يمزق وإنما يخط بوسيلة التمزيق لأن بشارة ينفذ فعل التمزيق بحيث تكشف الورقة عند موضع المزق عن خط لونه من لون لٌحمتها الكامن تحت قشرة اللون المطبوع. هذا الخط الناتج من عملية المزق هو في الغالب أبيض اللون لكن بشارة يحتال عليه أحياناً و يلوّنه بالأحبار الملونة حسب مقتضى الحال. ومزق الورق كوجه من وجوه تخليق الخط ليس وقفاً على بشارة وحده، فهي تقنية قديمة خبرها نفر من التشكيليين المحدثين أذكر منهم الإسباني الكاتلوني «أنطونيو تابييس» كرم الله وجهه. 

لكن بشارة لا يقنع من الرسم بتمزيق الورق فقط، فهو يرسم أيضاً بطريقة غريبة بين اللصق والمزق واللّحْت. فهو يبدأ بلصق ورقته على المسند ثم ينتزعها بعد جفاف صمغها فتلحت الورقة المنزوعة شيئاً من قشرة اللون على ورقة المسند وتترك عليه بعضاً من قشرة سطحها المنزوع، ويكون الحاصل شكلاً جديداً يقوم بشارة بدمجه في التكوين العام للصورة. وتفاكير بشارة التشكيلية في مقام الورق كثيرة لا سبيل لتفصيلها في هذه العجالة المقصود منها إضاءة مبحث الخامة/ الصورة عنده. 

لكن بشارة لا يتوقف عند الورق وحده لأنه يمارس الرسم بالأدوات التقليدية المتاحة للجميع (الريشة والفرشاة وأقلام الرسم وأدوات الحفر إلخ)، وفي عمل بشارة الحفـّار الباحث حرية كبيرة تسوّغ له أن يلتف على «عقيدة» (دوغما) الحفار التقليدي ليبذل لنا أدوات الحفار نفسها كصورة ذات سيادة جمالية مستقلة. ففي هذا العمل المعروض في المعرض لا يكتفي بشارة بعرض المستنسخات الناتجة من طباعة لوحة الزنك المحفور على الورق لكنه يعرض لوحة الزنك المحفورة نفسها كمكون من مكونات الصورة النهائية التي يمتزج فيها المعدن بالورق في كولاج فريد. 

وكنت أعرف لبشارة رسومات الحبر الشيني على الورق من الأحجام الصغيرة المألوفة، لكني في نهاية التسعينات شهدته يعمل بأقلامه على أوراق كبيرة الأحجام، (إرتفاعها حوالي 150 سم و عرضها لا يقل عن ال80 سم). وقد ادهشتني تلك الرسومات بالتناقض البائن بين نسيج خطوطها الدقيق القائم على منطق المنمنمات وضخامة التكوين البصري النصبي الطابع. وهو تناقض قديم ثبتته طرائق المشاهدة الكلاسيكية التي تفرض على مشاهدة كل نوع مسافة بعينها (والدلالة الإيضاحية الصورة الفتوغرافية تفسد حين نتأمل تفاصيلها بعدسة مقرّبة). 

وأظن أن قيمة تلك الأعمال التي شهدتُها في مرسم بشارة بأوكسفورد يمكن أن تتلخص في قدرتها على التمدد والإنكماش أمام عين المشاهد المتحرك حسب التغير في المسافة التي تفصل المشاهد من المسند. وفي إنكماشها وتمددها تظل رسومات الحبر الشيني وفية لغاية صانعها الأولى وهي الكشف عن حصيلة البحث الذي انحرط فيه الرسام وراء إمكانات الخامة/الصورة. وأظن، غير آثم، أن بشارة في هذا التدبير المركب إنما يستثمر بطريقة مبتكرة، طريقته، لقيـّات فنانين مميزين ضلعاً، كل بطريقته، في مبحث مسافة المشاهدة. وأعني أستاذنا ابراهيم الصلحي «الأوكسفورداوي» الكريم وأستاذنا الراحل المقيم حسين شريف. وقد عرفهما بشارة عن قرب حميم وامعن النظر في آثارهما الجمالية والوجودية وغنم من ذلك رشداً جمالياً يمثل اليوم في أعماله ويكسبها خصوصيتها العالية التي تجعلنا نتجمّل بها في وجه الإنقطاعات. 

ولمشاهدة آثار حسين شريف القرافيكية يمكن مراجعة أعماله بالأبيض والأسود في كتاب جمال محمد أحمد: «سالي فو حمر» [طبعة دار جامعة الخرطوم للنشر]، الذي هو من العلامات المهمة في مشهد تصاوير الكتب المعاصرة ولا بد لنا من عودة متأنية لتقديمه كمساهمة أبداعية مهمة في تقليد صناعة الكتاب (أنظر أيضا «القمر جالس في فناء داره» - لعلي المك).

ولكن بشارة لم يتوقف عند محطتي أستاذينا الجليلين، بل واصل استكشافاته الطليقة في أراض أخرى بعيدة كل البعد عن مباحث الرسم والتلوين عند صلحي وشريف. فبشارة باحث في جملة معاني العبارة، وهو باحث متمرّس يدخل على الرسم بأدوات الباحث دون أن يهمل نزوات الفنان و جنونه المشاتر المشروع. وبفضل أدوات الباحث الفنان يواصل بشارة مساره المعقد و لا يتردد في التوقف عند تلك الأركان المنسية المهملة التي عبرت فوقها أجيال من الفنانين وتناستها حركة البحث التشكيلي الرسمي. فهو يزور أرض المصورين الزيتيين ويعرج على أرض الحفارين، ينتفع بتقنياتهم وتعاليمهم القديمة والمستحدثة في إعادة اختراع عجلة جديدة فريدة تحتاجها عربته التشكيلية التي لا تنفع معها أي عجلة أخرى. 

وفي مشوار البحث التشكيلي، بين الرسم والحفر والتلوين، يملك بشارة أن يتوقف عند آلة الإستنساخ الفتوغرافي الـ«فتوكوبي» ويمسخها أداة تشكيلية جديدة لإختراع تصاوير مبتكرة تتراكب فيها الوحدات البصرية المستنسخة تجاه صورة مغايرة. وهو يملك أن ينتقي المستنسخة ليرسم عليها أو ليطبع فوق تكوينها تكويناً جديداً أو يمزقها ليعيد دمجها في مشروع جديد إلخ. كل هذه التدابير البحثية المتنوعة التي تتم بين البصيرة و اليد/الأداة و المسند، إنما تتحقق في مقام فعل «لا أدبي». فعل مادي فالت بالقوة من طائلة الأدب الكلامي. لكن هذا الواقع الـ«لا أدبي» لا ينفي عن تدابير الباحث التشكيلي حقيقتها الأصيلة كلغة ذات سيادة بلاغية قمينة بإدراك معاني الوجود الماثل فوق/ وراء/ تحت/جنب سعة الكلمات.

تصفح أرشيفات اخرى

ابحث عن فنانين، أعمال فنية، أو كتب

  1. Under this agreement, I hereby grant permission to the Sudan Art Archive to utilize the information provided about me and my works for the purpose of documenting the history of Sudanese art. The Muse Multi Studios will retain this information and share it as part of its artistic archive online and in relevant publications.
  2. I acknowledge that The Muse Multi Studios and the Sudan Art Archive may include information about me and my artworks from online platforms as part of their digital archive. I hereby express my consent to The Muse Multi Studios to utilize publicly available information from the internet for this purpose.
  3. I affirm that I will not hold The Muse multi studios or the Sudan Art Archive accountable for any claims or disputes arising from the ownership or accuracy of the provided information.