أرشيف حسن موسى

أحمد سالم

أحمد سالم: خاتف جيلين

حزنت كثيراً عند سماعي نبأ رحيل الصديق الفنان أحمد سالم، فقد التقينا في الخرطوم في ديسمبر الماضي وتواعدنا على مواصلة مناقشة قديمة في دروس حركة التشكيليين العصاميين في السودان، وأحمد سالم إسم مهم في هذا المشهد الفني السياسي المركب المجدول من تداخل العام و الخاص.

وسأحاول ترتيب أوراقي القديمة بسبيل تقديم أستاذنا وصديقنا الراحل لجمهور المهتمين بالتشكيل كوجه أصيل من وجوه العمل العام في السودان.

لقد ولد الفنان أحمد سالم في 1927 في مدينة ودمدني، وأقام معرضه الفردي الأول - الذي يعتبره هو أول معرض تشكيل في تاريخ حركة التشكيل الحديث في السودان - في عام 1952 بقاعة «دار الثقافة» وقد أكد لنا أحمد سالم هذا الأمر في مقابلة معه أثناء المعرض الذي أقامه لأعماله بصالة «أبو جنزير» في يونيو 1976. ورغم أن بعض خريجي «مدرسة التصميم» الذين كانوا حاضرين في العاصمة منذ عام 1952، يمكن أن يعارضوا زعم أحمد سالم بغيره. يبقى أن الشيء المهم في مسألة معرض أحمد ويتوجه لجمهور نخبوي من مثقفي العاصمة الذين يرتادون «دار الثقافة» خصيصاً سالم بدار الثقافة هو أن معرض الرسم بدأ يتأسس على نحو جديد كشأن «ثقافي» ليشاهدوا هذا الحدث الثقافي الجديد، بدلاً مما كان سائداً عند الرواد العصاميين الذين كانت آثارهم تتوفر في أمكنة مدينية يرتادها الناس لأغراض أخرى ليس بينها بالضرورة مشاهدة العمل التشكيلي.

في السنوات التي أعقبت معرض دار الثقافة، ومع وصول الدفعات الأولى لخريجي «مدرسة التصميم» بدأ هذا الشكل الجديد من أشكال الإتصال الجماهيري يتجذر في الحياة الثقافية المدينية وأخذت المعارض تتنوع بما يتجاوز شكل لوحة الحامل. وبين نهاية الخمسينات وبداية الستينات بدأت الحواضر السودانية تكتشف معارض النحت (عبد الرازق عبد الغفار) ومعارض الخزف (نصيف إسحق جورج في المركز الثقافي الأمريكي) وتعود الجمهور على طقوسية هذه التظاهرة الثقافية الجديدة: فالمعرض يقام لعرض «الثقافة»، ذلك أن «الثقافة» ضرورية لرفعة الوطن ولتنمية المجتمع إلى آخر تعاليم آيديولوجيا طبقة وسطى حضرية تستمد شرعيتها السياسية (دوائر الخريجين) من شرط إستنارتها الثقافية النسبية المتحصلة من واقع إمتيازها الإجتماعي. وفيما وراء إشتباهات الواقع الآيديولوجي ينوبنا إستقرار مفهوم «الثقافة» كآلية ضرورية في منظور التنمية الإجتماعية في السودان. وضمن هذا المشهد يمكن عقلنة حماس جيل المبدعين السودانيين من رهط أحمد سالم ممن كافحوا و بذلوا الكثير في سبيل تقدم العمل الثقافي.

أحمد سالم فنان في شكل جسر:

من بين العصاميين «العليعثمانيين» يبدو الفنان أحمد سالم كأفضل وسيط بين طريقتين في التشكيل. فهو تارة تشكيلي «مثقف» ضل طريقه بين العصاميين، وهو طوراً عصامي متغرِّب بين «ناس الكلية»، نوع من «خاتف جيلين» كما قد تعبر البلاغة الشعبية. وأعماله التي تحمل سيماء العصاميين، في الظاهر، إنما تنطوي على قدر معتبر من الفضول التقني وسعة في الحيلة التشكيلية تتجاوز، من بعيد، الحدود التي وقف عندها عدد كبير من العصاميين «العليعثمانيين», ولا عجب فسيرة أحمد سالم المهنية لا تشابه سير أصحابه «العليعثمانيين».

وهو وإن اعترف بفضل علي عثمان عليه وعلى أبناء جيله في عبارته: «علي عثمان هو اللي علمنا كيف نرسم وشنو النـّرسمه» (في مقابلة معه بداره ببحري - يونيو 1978). فهو لم يتوقف عند «إرشادات» علي عثمان، إذ أتيحت له الفرصة لتعلّم بعض تقنيات الرسم بشكل مدرسي منظم، بالذات في الفترة التي تلقى فيها تدريباً مهنياً كـ«رسام فني» أيام عمله في وزارة الري بود مدني.

على أن أحمد سالم، حسب معرفتنا له، استفاد لأقصى حد - حِرفياً وفكرياً - من صداقاته الحميمة مع عدد كبير من التشكيليين الأصغر سناً. الأمر الذي يجعل منه «عصامياً تقريبياً» عمله أقرب لأسلوب عمل «ناس الكلية» منه للعليعثمانيين. ذلك أن سماحة روحه الجمالي المنفتح على التجديد وقدرته على الحوار مع الآخرين مكّناه من أن يكون جسراً بين جيلين من التشكيليين مثلما مكناه من مواصلة الرسم والعرض بدون إنقطاع من الأربعينات للثمانينات. وخصوصية الفنان أحمد سالم تتمثل في كون الرجل الذي بدأ مشوار الفن مع العليعثمانيين ظل يواصل مساره الإبداعي مع جيل أولاده.

فن القطيعة الثقافية:

محتوى الجهد الجمعي الذي ساهم فيه أحمد سالم بين نفر جليل من التشكيليين العصاميين يتعلق بالتأسيس لتقليد ثقافي جديد بين أهل الحواضر السودانية. وأظنهم مهدوا الطريق للفنانين الحديثين، من حملة شهادات مؤسسات التعليم الفني، وأعدّوا لهم مسرح القطيعة الجمالية مع التقليد الثقافي القديم المتوجّس دينياً من حضور آيات الثقافة الحديثة في حياة المجتمع المسلم.

ومن خلال نتاجهم العفوي الحر استطاع التشكيليون العصاميون في ثلاثينات وأربعينات القرن العشرين، استطاعوا وسم المكان المديني بمياسم حداثة أيقونية أصيلة سوّغت القطيعة الضرورية مع التقليد الأيقوني لثقافة المجتمع قبل الرأسمالي ومهدت الأرض الأيقونية لجيل جديد من التشكيليين تهجسه اسئلة دور الفن في عملية التغيير الإجتماعي. ذلك أن القطيعة الثقافية التي كابدها الإنسان المديني في السودان كمشروع حداثي، اقتضت منه ان يستنبت بدائله الثقافية الحديثة في عجلة كبيرة ضمن شروط عسر مادي ورمزي غير مسبوق. وفي هذا المشهد فقد ساهم الجهد الإيقوني الجليل للتشكيليين العصاميين في تقعيد المسلمين من أهل الحواضر السودانية على مقعد التقليد التشكيلي الحديث وتأهيلهم لقبول حركة الرسم الحديث كشيء طبيعي رغم التوجس الديني من مخاطر التصاوير في الموروث الثقافي للمجتمع العربسلامي في السودان(« لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب أو صورة»[صحيح البخاري]).

وفي هذا المقام فنحن ندين لهم بالعرفان كونهم ساهموا في أنسنة المدينة السودانية وهندسوا البيئة الأيقونية الحضرية على مقاس ساكنيها. هذه المساهمة الجليلة، التي عبرت تاريخ الثقافة في السودان دون أن يهتم بها الباحثون في سوسيولوجيا الثقافة، تردنا للتفكّر في مفهوم القطيعة الثقافية كمشروع متعدد الأبعاد تشتغل عليه مجموعات وجهات وأفراد حوافزهم متباينة وإهتماماتهم متنوعة لكن كل منهم يحفر لتوسيع القناة التي تنقل ماء الحداثة لري إحتياجات مجتمع حديث ينتظر في رحم المستقبل.

ثمة قولة كاذبة مشهورة منسوبة للشاعر الروسي «يوفتشنكو» فحواها أن الشعر مستحيل بعد الثلاثين. وكذب قولة يوفتشنكو ينكشف على حين غرة حين تلتقي شخصاً في حماس أحمد سالم وهمته الفنية العالية.

حين التقينا في ديسمبر (2009م) الماضي حدثنا أحمد سالم عن مشاريعه الفنية الراهنة وعن إنشغاله بتصاوير نحتية لأعلام الحركة الوطنية في السودان. ولا أعرف لأي مدى تقدم الرجل في تنفيذ مشروعه لكنني طربت وقتها لفكرة أن هذا الشيخ الفنان الرائد مازال مهموماً بهم التشكيل رغم أن أجيالاً من الفنانين الأصغر سناً هجروا الممارسة وفارقوا الفن «فراق الطريفي» كما تقول بلاغة الأهالي...،.

ومن المسار الطويل الذي قطعه أحمد سالم ينوبنا كسب قيّم يمكن تلخيصه في كون الشعر ممكن بعد الثلاثين.

تصفح أرشيفات اخرى

ابحث عن فنانين، أعمال فنية، أو كتب

  1. Under this agreement, I hereby grant permission to the Sudan Art Archive to utilize the information provided about me and my works for the purpose of documenting the history of Sudanese art. The Muse Multi Studios will retain this information and share it as part of its artistic archive online and in relevant publications.
  2. I acknowledge that The Muse Multi Studios and the Sudan Art Archive may include information about me and my artworks from online platforms as part of their digital archive. I hereby express my consent to The Muse Multi Studios to utilize publicly available information from the internet for this purpose.
  3. I affirm that I will not hold The Muse multi studios or the Sudan Art Archive accountable for any claims or disputes arising from the ownership or accuracy of the provided information.